عربى | English | Français
  الصفحة الرئيسية
  افتتاحية الموقع
  عن المحكمة
  وثائق المحكمة
  أعضاء المحكمة
  البحث فى أحكام المحكمة
  جلسات المحكمة
  مجلة الدستورية
  المحكمة فى أرقام
  الركن الإعلامى
  خريطة الموقع
  اتصل بنا
  المواقع ذات الصلة
  تسجيل دخول السادة المستشارين
  الاحتفال القومي العالمي بمرور أربعين عاما على القضاء الدستوري المصري
 جولة تخيلية فى أروقة المحكمة
 
قضية رقم 15 لسنة 24  قضائية  المحكمة الدستورية العليا "دستورية"
 مبادئ الحكم:   تحكيم - حق التقاضى-تنظيمه - دستور-حق التقاضى - دستور-مساواه - دعوى دستورية-البيانات الواجب توافرها فى صحيفة - دعوى دستورية-مصلحة مناطها - مبدأ المساواة - مبدأ المسواه-مراكز قانونية مختلفة
نص الحكم
------------------

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

                بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد 9 مايو سنة 2004 م ، الموافق 19 من ربيع الأول سنة 1425 ه .

برئاسة السيد المستشار / ممدوح مرعى                   رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين : حمدى محمد على وماهر البحيرى ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبدالقادر عبدالله والدكتور عادل عمر شريف

وحضور السيد المستشار / نجيب جمال الدين علما            رئيس هيئة  المفوضين

وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن                        أمين السر

أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 15 لسنة 24 قضائية " دستورية ".

المقامة من

السيد / حسن محمود محمود غويبة ، بصفته الممثل القانونى للشركة المتحدة للتجارة والمقاولات

ضد

1 السيد رئيس الجمهورية

2 السيد رئيس مجلس الوزراء

3 السيد رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب

4 السيد / محمد الشرقاوى ، بصفته الممثل القانونى لشركة شل للتسويق

الإجراءات

بتاريخ العشرين من يناير سنة 2002 ، أودع المدعى صحيفة الدعوى الماثلة قلم كتاب المحكمة ، بطلب الحكم بعدم دستورية قانون التحكيم فى المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994 ، وخاصة المواد ( 52 و54/2 ) منه ، وسقوط أحكامه ، وإلزام الحكومة المصروفات ، ومقابل أتعاب المحاماة .

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها .

ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، حيث قررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .

المحكمة

          بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة .

          حيث إن الوقائع حسبما يبين من صحيفة الدعوى ، وسائر الأوراق تتحصل فى أنه بموجب عقد إيجار مؤرخ 28/1/1999 ، استأجرت الشركة المدعى عليها الرابعة من الشركة المدعية قطعة أرض فضاء بطريق الإسكندرية / مطروح ، بغرض إنشاء محطة خدمات بترولية . وإذ أصدر محافظ الإسكندرية قراراً بإلغاء تخصيص هذه الأرض للشركة المدعية ، وتخصيصها لشركة مصر للبترول ، التى وضعت يدها عليها بالفعل ، فقد تعذر على الشركة المستأجرة ( المدعى عليه الرابع ) ، الانتفاع بالأرض ، مما دفعها إعمالاً لنصوص عقد الإيجار إلى اللجوء للتحكيم بمركز القاهرة الإقليمى للتحكيم التجارى الدولى ، وطلبت الحكم بفسخ عقد الإيجار ، ورد المبلغ الذى سددته كمنحة توقيع على عقد الإيجار . وكذلك طلبت التعويض ، ثم تنازلت عن هذا الطلب الأخير . وأسفرت دعوى التحكيم ، التى قيدت برقم 148 لسنة 1999 تحكيم ، عن صدور حكم بتاريخ 24/1/2001 ، بفسخ عقد الإيجار ، وإلزام الشركة المحتكم ضدها ( الشركة المدعية ) أن تؤدى مبلغاً مقداره مائتان وخمسة وسبعون ألف جنيهٍ للشركة المحتكمة ( المدعى عليه الرابع ) ، وهو قيمة المبلغ المسدد كمنحة توقيع على العقد . وإذ لم ترتض الشركة المدعية هذا الحكم ، فقد أقامت فى شأنه الدعوى رقم 44 لسنة 118 القضائية ، أمام محكمة إستئناف القاهرة ، طالبة الحكم بوقف تنفيذه ، وفى الموضوع ببطلانه ، لما نسبته إليه من صدوره عن هيئة تحكيم اعتور البطلان تشكيلها ، والإجراءات التى باشرتها ، ولم تتصف بالحيدة ، فضلاً عن مخالفة الحكم للثابت بالأوراق ، ومصادرة حق الدفاع بالمخالفة للمادتين (52/2) و(53 ه ، ز ) من القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه . وأثناء نظر تلك الدعوى ، دفع الحاضر عن الشركة المدعية بجلسة25/7/2001 بعدم دستورية القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه ، وخاصة المواد ( 52 و 54/2 و55 ) منه . وبجلسة 17/11/2001 ، صمم على هذا الدفع فيما عدا المادة (55) سالفة الإشارة ، فقررت المحكمة التأجيل لجلسة 23/1/2002 ، لتقديم ما يفيد الطعن بعدم الدستورية ، فأقامت الشركة المدعية الدعوى الماثلة ، وضمّنت صحيفتها طلباً بوقف تنفيذ أحكام القانون الطعين .

          وحيث إنه عن طلب الشركة المدعية وقف تنفيذ أحكام القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه لحين الفصل فى موضوع الدعوى الدستورية المعروضة ، فإنه وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة لما كان الأصل فى النصوص القانونية ، المدعى مخالفتها للدستور ، أن تُحمْلَ على أصل صحتها ، فلا يعطل الطعن عليها قوة نفاذها ، ولا يجوز بالتالى وقف تنفيذها ، وإنما تظل قوة نفاذها ملازمة لها كلما طرح أمر مشروعيتها الدستورية على المحكمة الدستورية العليا وفقاً لقانونها ؛ وهو الاختصاص الذى لا تزاحمها فيه أية جهة أخرى . وللمحكمة ، بعد ذلك ، إما أن تقرر أن للنصوص المطعون عليها سنداً من الدستور فلا ترتد عنها قوة نفاذها ، وإما أن تنتهى إلى مصادمتها للدستور فتعدمها وتنهى وجودها 0 وعلى ذلك ، فإنه لا يجوز للمحكمة أن توقف تنفيذ النصوص التشريعية المطعون عليها أمامها . إذ لا يدخل ذلك فى نطاق اختصاصها الذى حدده لها المشرع حصراً فى قانونها .

          وحيث إنه عن طلب الشركة المدعية الحكم بعدم دستورية القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه برمته ، فإن دعوة هذه المحكمة للخوض فى دستورية النصوص التشريعية ، وبحث أوجه عوارها ، لازمه وعلى ما تطلبه نص المادة (30) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة إلى المحكمة ، أو صحيفة الدعوى المرفوعة إليها ، بيان النص التشريعى المطعون بعدم دستوريته ، والنص الدستورى المدعى مخالفته ، وأوجه المخالفة . وقد تغيا المشرع بذلك أن يتضمن قرار الإحالة ، أو صحيفة الدعوى ، البيانات الجوهرية التى تكشف بذاتها عن ماهية المسألة الدستورية التى يعرض على هذه المحكمة أمر الفصل فيها ، وكذلك نطاقها ، بما ينفى التجهيل بها وتميع تحديدها ، وبحيث لا يتعذر على ذوى الشأن جميعهم ومن بينهم الحكومة إعداد أوجه دفاعهم المختلفة خلال المواعيد التى حددتها المادة (37) من القانون رقم 48 لسنة 1979 المشار إليه ، وحتى يتأتى لهيئة المفوضين كذلك بعد انقضاء هذه المواعيد مباشرة مهامها فى تحضير الدعوى ، وإبداء رأيها فيها وفقاً لما تقضى به المادة (40) من هذا القانون . وهذا التحديد الدقيق الذى تطلبه المشرع للنصوص التشريعية الطعينة هو ما تفرضه أيضاً مقتضيات المصلحة الشخصية المباشرة فى الدعوى الدستورية ، والتى تستوجب توجيه الطعن بعدم الدستورية إلى نص تشريعى محدد أضير الطاعن من جراء تطبيقه عليه ، ويكون من شأن إبطاله تحقيق مصلحة للطاعن فى دعواه الموضوعية التى أثير فيها الطعن بعدم دستورية ذلك النص . ولكل ذلك ، فإن النعى المجمل بعدم الدستورية على أحكام القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه ، ودون بيان مدى انطباق كل حكم من هذه الأحكام فى شأن الطاعن ، وأثر القضاء فى شأن دستوريتها على طلباته فى الدعوى الموضوعية ، لا يكون فى حقيقته إلا طعناً عاماً مجهلاً ومتميعاً، لا يتحقق معه التحديد الكافى اللازم للبيانات الجوهرية اللازمة لقبول الدعوى الدستورية ، ولا تتوافر بتجهيله هذا المصلحة الشخصية المباشرة للشركة المدعية فى دعواها . ومن ثم ، فإن نعى الشركة المدعية على كامل أحكام هذا القانون بعدم الدستورية ، وقد اتسم بالتجهيل ، وكذلك العجز عن إظهار البيانات الجوهرية التى تطلبها القانون ، وعدم توافر المصلحة الشخصية المباشرة فيه ؛ يكون ، والحال هذه ، غير مقبول .

          وحيث إنه فيما يتصل بطلب الشركة المدعية الحكم بعدم دستورية المادة (52) من القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه ، فإنه من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى ومناط هذه المصلحة أن تتوافر رابطة منطقية بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ؛ وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها ، والمطروحة على محكمة الموضوع . فإذا كان ذلك ، وكان هذا النص قد قضى فى البند (1) منه بأن لا تقبل أحكام التحكيم التى تصدر طبقاً لأحكام ذلك القانون الطعن فيها بأى طريق من طرق الطعن المنصوص عليها فى قانون المرافعات المدنية والتجارية ، وأجاز البند (2) منه رفع دعوى بطلان حكم التحكيم وفقاً للأحكام المبينة فى المادتين التاليتين له ؛ وكانت الدعوى الموضوعية لا تتعلق بالطعن على حكم التحكيم بالإجراءات المقررة فى قانون المرافعات المدنية والتجارية ، وإنما بطلب القضاء ببطلانه من خلال دعوى البطلان الأصلية ، والتى لا تعد على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة طريقاً من طرق الطعن فى الأحكام ، وإنما هى أداة لرد الأحكام التى أصابها عوار فى مقوماتها عن إنفاذ آثارها القضائية . ولكل ذلك فإن القضاء فى شأن دستورية النص الطعين لن يكون بذى أثر على طلبات المدعية فى دعوى الموضوع ، الأمر الذى تنعدم معه مصلحتها فى الطعن عليه كما أن البند (2) من النص الطعين يجيز رفع دعوى البطلان ، فإن بقاءه يحقق مصلحة المدعية والقضاء بعدم دستوريته يؤدى إلى الاضرار بها ومن ثم فإنه لا تكون لها ثمة مصلحة فى تقرير عدم دستوريته ؛ الأمر الذى يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى فى شأن نص المادة (52) فى مجموعه .

          وحيث إنه عن طلب القضاء بعدم دستورية نص المادة ( 54/2 )من القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه ، والتى تعقد الاختصاص بدعوى البطلان لمحكمة الدرجة الثانية التى تتبعها المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع ، فإنه لما كان القضاء فى شأن دستورية هذا النص له أثره وانعكاسه على الدعوى الموضوعية ، من حيث تحديد المحكمة المختصة بنظرها ، فإنه تكون للشركة المدعية مصلحة شخصية مباشرة قائمة فى تحدى دستورية هذا النص تبرر قبول دعواها بشأنه  .

          وحيث إن الشركة المدعية تنعى على نص المادة ( 54/2 ) من القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه مخالفته للدستور من وجهين : يتعلق أولهما بالإخلال بمبدأ التقاضى على درجتين ، وبالتالى الإخلال بالحماية الدستورية للحق فى التقاضى ؛ بالإضافة إلى انتهاك مبدأ المساواة أمام القانون ، لما يرتبه هذا النص من تمييز فى المعاملة بين من يلجأون إلى التحكيم لفض ما بينهم من منازعات ، وأولئك الذين يعرضون منازعاتهم على جهات القضاء .

          وحيث إن التنظيم التشريعى الذى اندرجت أحكامه فى الباب الثالث من الكتاب الثالث من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968 ، وكذلك فى أحكام القانون رقم 27 لسنة 1994 المشار إليه ، يحظر أصلاً الطعن فى أحكام التحكيم بمختلف طرق الطعن ، العادية منها وغير العادية . ذلك أن اللجوء إلى التحكيم الاتفاقى يتأسس فى نشأته ، وإجراءاته ، وما يتولد عنه من قضاء ، على إرادة أطرافه ، التى تتراضى بحرياتها على اللجوء إليه كوسيلة لفض منازعاتهم ، بدلاً من اللجوء إلى القضاء . واحتراماً لهذه الإرادات ، واعترافاً بحجية أحكام التحكيم ووجوب نفاذها من جهة ، ومواجهة الحالات التى يصاب فيها حكم التحكيم بعوار ينال من مقوماته الأساسية ، ويدفعه إلى دائرة البطلان بمدارجه المختلفة من جهة أخرى ، أقام المشرع توازناً دقيقاً بين هذين الأمرين من خلال سماحه بإقامة دعوى البطلان الأصلية ، بشروط محددة ، فى شأن حكم التحكيم ، مستصحباً الطبيعة القضائية لهذا الحكم ، ليسوى بينه وبين أحكام المحاكم القضائية بصفة عامة ، من حيث جواز إقامة دعوى بطلان أصلية فى شأنها ، احتراماً للضمانات الأساسية فى التقاضى ، وبما يؤدى إلى إهدار أى حكم يفتقر فى مصدره إلى المقومات الأساسية للأحكام القضائية . وإذ عهد المشرع ، من خلال التنظيم السابق ، بدعوى بطلان حكم المحكمين إلى محكمة الدرجة الثانية ، وليس إلى محكمة الدرجة الأولى ، فإن ذلك لا يرتب فى ذاته مساساً بالحق فى التقاضى . ذلك أن تحديد اختصاصات الهيئات القضائية هو أمر متروك للمشرع طبقاً لنص المادة (167) من الدستور . فضلاً عما هو مقرر من أنه ليس ثمة تناقض بين الحق فى التقاضى كحق دستورى أصيل ، وبين تنظيمه تشريعياً بشرط ألا يتخذ المشرع من هذا التنظيم وسيلة إلى حظر ذلك الحق أو إهداره . وقد استقر قضاء هذه المحكمة على أن قصر التقاضى فى المسائل التى يفصل فيها الحكم على درجة واحدة لا يناقض الدستور ، وإنما يدخل فى إطار السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق ، والتى تحرره من التقيد بأية أشكال محددة ، أو بأنماط جامدة تستعصى على التغيير أو التعديل ، بحيث يكون له أن يختار من الصور والإجراءات المناسبة لإنفاذ هذا الحق ، ما يكون فى تقديره الموضوعى أكثر اتفاقاً مع طبيعة المنازعة التى يعهد بالفصل فيها إلى محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى ، دون إخلال بالضمانات الأساسية فى التقاضى . لما كان ذلك ، وكان المشرع قد أعمل سلطته التقديرية فى النص الطعين ، مستلهماً الطبيعة الخاصة لأحكام المحكمين ، والتى تستهدف احترام إرادة أطرافه ، وسرعة الفصل فى النزاع ، والبعد عن إطالة أمد التقاضى وتعقد الإجراءات ، ومراعياً ما تستلزمه الضمانات الأساسية فى التقاضى من وجوب إهدار أى حكم قضائى فاقد لمقوماته الأساسية وأركانه ، فأجاز إقامة دعوى البطلان الأصلية فى شأن حكم التحكيم بشروط وضوابط محددة ، وعقد الاختصاص بها لمحكمة الدرجة الثانية لتنظرها على درجة واحدة ، لتكشف عن أى عوار عساه أصابها ، تقديراً منه أن هذا المسلك هو الأنسب إلى طبيعة المنازعة التحكيمية ، ومقتضيات سرعة حسمها ، فإن هذا الأمر لا يكون فيه إخلال بالحق فى التقاضى ، وتنظيمه الدستورى ، وبالتالى يكون النعى بمخالفة النص الطعين لمبدأ التقاضى على درجتين والحق فى التقاضى غير سديد ، ويتعين الالتفات عنه .

          وحيث إنه عن النعى بمخالفة النص الطعين لمبدأ المساواة أمام القانون ، لما أحدثه من تمييز فى المعاملة بين من يلجأون إلى التحكيم لفض ما ينشأ بينهم من منازعات ، وبين غيرهم ممن يعرضون منازعاتهم على القضاء ، وذلك فيما يتصل بدعوى البطلان الأصلية ، فهو نعى مردود كذلك من عدة وجوه : أولهما أن مبدأ المساواة أمام القانون لا يعنى أن تعامل فئات المواطنين على ما بينها من تمايز فى المراكز القانونية معاملة متكافئة . فإذا كان ذلك ، وكان المتحاكمون أخذاً بالأصل فى التحكيم يتجهون بملء إرادتهم ، ومحض اختيارهم ، إلى اعتماد نظام خاص لفض ما بينهم من نزاعات خارج دائرة المحاكم ، ووفقاً لشروط تكون محلاً لاتفاقهم ، فإن مركزهم القانونى يضحى بالتالى مختلفاً عمن يلجأون إلى المحاكم لفض منازعاتهم طبقاً للقواعد العامة ، وخارج دائرة التحكيم . وفى ظل وجود هذا الاختلاف فى المراكز القانونية ، فإن المماثلة فى المعاملة بين المتحاكمين ، وغيرهم من المتقاضين لا تعد ضرورة لازمة ، ولا يشكل عدم الالتزام بها فى حد ذاته إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون .

          ومردود ثانياً بأنه لا مجال لمقارنة التنظيم الذى رسمه النص الطعين بما هو مقرر فى قانون المرافعات المدنية والتجارية فى شأن تحديد المحكمة المختصة بدعوى البطلان الأصلية . ذلك أنه ، وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة ، فإن التنظيم التشريعى لحق التقاضى وكلما كان لا يناقض وجود هذا الحق أو يخل بمحتواه يفترض فيه أن لا يتقيد بأشكال جامدة لا يريم المشرع عنها لتفرغ قوالبها فى صورة صماء لا تبديل فيها ، بل يجوز أن يغاير المشرع فيما بينها ، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التى يباشر الحق عملاً فى نطاقها ، ليظل هذا التنظيم مرناً ، لا يطلق الحقوق محله من عقالها ، انحرافاً بها عن أهدافها ، ولا يعتبر كذلك تفريطاً مجافياً لمتطلباتها بل بين هذين الأمرين قواماً ، حتى تظل الحماية القضائية للحقوق فى صورتها الأكثر اعتدالاً . وتبعاً لذلك ، فإنه يجوز للمشرع أن يغاير فى تنظيمه لحق التقاضى ، وتبنى ما يراه مناسباً من تنظيمات بالنسبة لصنوف بعينها من المنازعات ، وفقاً لما تطلبه طبيعتها ، دون أن يكون فى ذلك إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون ، طالما التزم المشرع بالضوابط الدستورية لمباشرة الحق فى التقاضى .

          ومردود ثالثاً بأن مبدأ المساواة أمام القانون ، وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة ، ليس مبدأ تلقينياً جامداً منافياً للضرورة العملية ، ولا يقوم على معارضة جميع صور التمييز بين المواطنين ؛ إذ أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ، ولا ينطوى بالتالى على مخالفة لنص المادة (40) من الدستور ؛ بما مؤداه أن التمييز المنهى عنه بموجبها هو ما يكون تحكمياً . ذلك أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته ، بل لتحقيق أغراض بعينها يعتبر هذا التنظيم ملبياً لها . وتعكس مشروعية هذه الأغراض إطاراً للمصلحة العامة التى يسعى المشرع لبلوغها متخذاً من القواعد القانونية التى يقوم عليها هذا التنظيم سبيلاً إليها . فإذا كان النص التشريعى بما انطوى عليه من تمييز مصادماً لهذه الأغراض ، مجافياً لها ، بما يحول دون ربطه بها ، أو اعتباره مدخلاً إليها ، فإن هذا النص يكون مستنداً إلى أسس غير موضوعية ، ومتبنياً تمييزاً تحكمياً بالمخالفة لنص المادة (40) من الدستور . ولما كان ذلك ، وكان إسناد الفصل فى دعوى بطلان حكم التحكيم إلى محكمة الدرجة الثانية ، وفقاً للنص الطعين ، مرده اعتبارات موضوعية تتصل بطبيعة المنازعة التحكيمية ، وما تفرضه من ضرورة سرعة حسمها ، وتقويض أية محاولات لتعطيل الفصل فيها ، تحقيقاً للمصلحة العامة فى التقاضى ، وكفالة للثقة الواجب توافرها فى المعاملات ، ومراعاة لإرادات المتحاكمين أنفسهم وهو ما هدف المشرع إلى تحقيقه جميعاً دون إخلال بالضمانات الأساسية فى التقاضى ، فإن المعالجة التشريعية هذه ، وعلى الرغم من انطوائها على بعض الاختلاف عما تضمنته القواعد العامة المنظمة لدعوى البطلان الأصلية أمام المحاكم القضائية ، إلا إن هذا الاختلاف وقد اقترن بتلك الاعتبارات الموضوعية التى تبرر وجوده من الناحية المنطقية ، وقصد إلى تحقيق المصلحة العامة ، ولم يخل بضمانات التقاضى الأساسية ، فإنه يكون اختلافاً مقبولاً ومبرراً ، ولا يؤدى اعتماد المشرع له إلى خروج على مبدأ المساواة أمام القانون ؛ الأمر الذى يضحى معه الإدعاء بخروج النص الطعين على هذا المبدأ منتحلاً .

          وحيث إن النص الطعين لا يخالف أى حكم آخر فى الدستور .

فلهذه الأسباب

          حكمت المحكمة برفض الدعوى ، ومصادرة الكفالة ، وألزمت المدعية المصروفات ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة .

جميع الحقوق محفوظة © 2010 المحكمة الدستورية العليا - جمهورية مصر العربية - صمم بواسطة مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار